لم يمنح الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران محافظي البنوك المركزية ما يكفي لإعلان نهاية خطر التضخم، فبينما خفّضت الهدنة علاوة المخاطر في أسواق النفط، بقيت أسعار الطاقة والسلع الأساسية أعلى من مستويات ما قبل الحرب، في وقت لا تزال فيه ضغوط الأسعار الأساسية عنيدة في الولايات المتحدة وأوروبا.
يرى مسؤولون نقديون ومحللون أن الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران يخفف أسوأ السيناريوهات، لكنه لا يزيل القلق من انتقال صدمة الطاقة إلى الغذاء والنقل والأجور وتوقعات التضخم، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز.
هرمز يخفض الخطر.. ولا يلغي العدوى
تراجع النفط إلى نطاق يقارب 76 إلى 79 دولاراً للبرميل بعد الإعلان عن الاتفاق، مع رهان المتعاملين على تحسن حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، غير أن الأسعار ظلت أعلى من مستوياتها قبل اندلاع الأعمال العدائية في 28 فبراير/ شباط، ما أبقى الضغوط قائمة على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وتكمن حساسية المضيق في أنه لا ينقل النفط فقط، بل يرتبط أيضاً بتدفقات الغاز الطبيعي المسال والأسمدة وبعض السلع الوسيطة، لذلك يخشى صناع السياسة النقدية من أن يتحول اضطراب الطاقة إلى موجة أوسع في تكاليف الإنتاج والغذاء، حتى مع غياب قفزة جديدة في أسعار الخام.
وتدعم بيانات رويترز حجة أن تراجع النفط بعد الاتفاق الإيراني لا يعني نهاية مخاطر التضخم، فقد انخفض خام برنت إلى نحو 79 دولاراً للبرميل، متجهاً لتسجيل خسارة أسبوعية تقارب 9.5%، مع تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى أقل من 76 دولاراً.
غير أن محللين نقلت عنهم الوكالة حذروا من أن عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قد تستغرق عدة أشهر، رغم أن المضيق كان ينقل قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
المخزونات تحد من هبوط الأسعار
ونقلت رويترز عن كريستالينا غورغيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أن أسعار النفط مرشحة للانخفاض بعد الاتفاق الأميركي الإيراني، لكنها لن تهبط على الأرجح بشكل حاد.
وتستند هذه الرؤية إلى عاملين: الأول أن حركة الملاحة عبر هرمز ستحتاج وقتاً للعودة إلى طبيعتها، والثاني أن الدول التي استخدمت جزءاً من احتياطياتها النفطية خلال الأزمة ستبدأ في إعادة بنائها، ما يخلق طلباً إضافياً على الخام ويحد من أثر زيادة المعروض.
الفدرالي يركز على التضخم الأساسي
في الولايات المتحدة، لم يعد القلق محصوراً في أسعار البنزين، فالمشكلة الأكبر بالنسبة الفدرالي الأميركي هي استمرار التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، عند مستويات أعلى من هدف البنك البالغ 2%.
وأبقى الفدرالي، في أول اجتماع يرأسه كيفن وارش، نطاق الفائدة عند 3.5% إلى 3.75%، لكنه أكد أن التضخم لا يزال مرتفعاً وأن استعادة استقرار الأسعار تبقى أولوية.
وأظهرت توقعات المسؤولين أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي قد يصل إلى 3.6% بنهاية العام، بينما يُتوقع بقاء التضخم الأساسي قرب 3.3%.

هذا يعني أن تراجع النفط وحده لن يكون كافياً لتغيير مسار السياسة النقدية سريعاً، فإذا أراد وارش إعادة التضخم إلى 2%، كما يقول اقتصاديون نقلت عنهم فايننشال تايمز، فقد يحتاج إلى رفع تكاليف الاقتراض بدلاً من الاكتفاء بخطاب متشدد.
وأشارت رويترز في تقرير لها إلى أن المستثمرين يترقبون بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة بعد اجتماع الاحتياطي الفدرالي، في ظل توقعات بأن يبقى التضخم الأساسي عند 3.3% بنهاية العام، أي أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2%؛ هذا يدعم فكرة أن الفدرالي لن يبني قراره على تراجع النفط فقط، بل على اتساع ضغوط الأسعار واستمرارها داخل الاقتصاد الأميركي.
بنك إنكلترا يحذر من آثار الجولة الثانية
في لندن، أبقى بنك إنكلترا سعر الفائدة عند 3.75%، لكن القرار لم يكن إشارة اطمئنان، فقد صوّت عضوان من لجنة السياسة النقدية لصالح رفع الفائدة إلى 4%، بينما حذر المحافظ أندرو بيلي من أن الضغوط التضخمية لا تزال محتملة.
اقرأ أيضاً: منطقة اليورو تواجه صدمة تضخمية بنهاية 2026
يركز البنك بصورة خاصة على ما يسميه "آثار الجولة الثانية"، أي انتقال ارتفاع الطاقة والسلع إلى الأجور وأسعار الخدمات والمنتجات النهائية.
وتوقع البنك أن يرتفع التضخم البريطاني مجدداً في وقت لاحق من العام، رغم تراجع أسعار الطاقة عن ذروتها.
أوروبا تواجه صدمة طاقة وغذاء
في منطقة اليورو، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ليصل سعر الفائدة على الودائع إلى 2.25%.
وجاء القرار رغم مؤشرات تباطؤ النمو، في إشارة إلى أن التضخم لا يزال الخطر الأكثر إلحاحاً بالنسبة لصناع السياسة في فرانكفورت.
تُظهر تقديرات البنك المركزي الأوروبي أن التضخم قد يبقى فوق الهدف خلال العام، مع بلوغه ذروة قرب 3.4% في النصف الثاني من 2026، مدفوعاً بتكاليف الطاقة.
كما حذر البنك من أن ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة قد يرفع تضخم الغذاء لاحقاً، وهو ما يجعل الصدمة أوسع من مجرد سوق النفط.
أستراليا واليابان تنضمان إلى معسكر الحذر
لم يقتصر التشدد على الولايات المتحدة وأوروبا، فقد أبقى بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة عند 4.35%، لكنه قال إن حل مشكلات إمدادات النفط العالمية سيستغرق وقتاً، وإن ارتفاع الوقود قد ينتقل إلى سلع وخدمات أخرى.
اقرأ أيضاً: سيتي غروب يؤجل توقعاته لخفض الفائدة الأميركية وسط تحول الفدرالي إلى نهج أكثر تشدداً
وفي اليابان، رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى نحو 1%، مشيراً إلى أن تطبيع السياسة النقدية لا يزال في بدايته، وأن ارتفاع أسعار الخام قد يدفع الأسعار المحلية للارتفاع عبر تكاليف الاستيراد والإنتاج.
الأزمة تضغط على بنوك الأسواق الناشئة
ولا تقتصر مخاوف التضخم على الفدرالي وبنك إنكلترا والمركزي الأوروبي، فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن بنك الاحتياطي الهندي أبقى سعر الفائدة عند 5.25% في اجتماعه الأخير، لكنه رفع توقعاته للتضخم إلى 5.1% من 4.6%، وخفض توقعات النمو إلى 6.6% من 6.9%، مع تصاعد مخاطر الطاقة وسلاسل الإمداد الناتجة عن أزمة إيران. وتبرز الهند هنا مثالاً مهماً لأنها من أكبر مستوردي النفط في آسيا، ما يجعلها أكثر حساسية لأي ارتفاع ممتد في أسعار الخام.
الأسواق تراجع رهاناتها على الخفض السريع
كانت الهدنة مع إيران كافية لتهدئة أحد أكبر مخاطر الأسواق: قفزة النفط إلى مستويات شديدة الارتفاع إذا تعطلت تدفقات هرمز، لكن هذه التهدئة لا تعني أن البنوك المركزية باتت مستعدة للعودة إلى خفض الفائدة.
ونقلت فايننشال تايمز عن لوك بارثولوميو، نائب كبير الاقتصاديين في أبردين، أن محافظي البنوك المركزية "غير مستعدين لإعلان انتهاء الأزمة"، حتى بعد تراجع خطر قفزة نفطية حادة. كما نقلت عن ديفيد ريس، رئيس الاقتصاد العالمي في شرودرز، أن هناك إدراكاً متزايداً بأن ضغوط التضخم أصبحت أوسع من الطاقة وحدها.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي